
قالت لي صديقتي عندما أعلنت لها نيتي الزواج “يبدو لي من حديثك أنّك تحبينه كثيراً، وأنا أنصحك أن لا تتزوّجي إلا من شخصٍ يحبّك أكثر مّما تحبينه”. طبعاً لم أقتنع بكلامها، على الرغم من ثقتها العالية أثناء إدلائها بالنصيحة. وبعد سبعة أعوامٍ من الزواج، ما زلت لا أعرف من منّا يحبّ الثاني أكثر.
ولا يبدو لي أنّه هناك وسيلة لقياس مقدار الحبّ. ولكن خصوصاً، لا يبدو أن للحياة اليومية حاجة لقياس مقدار الحبّ. لكنّ الأكيد حتّى الآن، أن نصيحة صديقتي ليست اجتهاداً شخصياً. إذ سمعت نصائح مماثلة في الكثير من الأحاديث. تعتقد كثيرات أنّ حبّها للرجل هو ضعف، يجعله يتحكّم بها أكثر، لذلك تفضّلن الدخول على الزواج بموقع قوّة أكبر.
هذه واحدة من النصائح التي سمعتها. وسمعت الرجال يردّدونها أيضاً على مسامع الشباب المقبلين على الزواج. فعندما تقبل/ين على الزواج، وبعده، ستسمع/ين الكثير والكثير من النصائح. وإذا كانت صديقتي قد اكتفت بالنصح مرّة، كثيرون لا يكتفون بالكلام بل يذهبون حدّ التدخّل في كلّ شاردة وواردة. فتشعر وتشعرين فجأة أن الزواج ليس ارتباط شخصين ببعضهما البعض، بل هو طاولة حوارٍ تُتفتح إلى أجل غير مسمّى بين قبيلتين. والقبيلة هنا ليست فقط الأهل. بل هي كلّ مقرّب يعتبر نفسه بموقعِ المعني بهذا الزواج حدّ التدخّل.
| لا تحكم/ي عليه/ا من خلال نظرات الآخرين ولا تجاربهم. وحدّد/ي لقبيلتك دور السند وليس السلاح، دور البيئة الأليفة وليس الأدغال. |
والدته ووالدتها، أخته وأختها، والده ووالدها، أخوها وأخوه، زوجة أخيها وزوجة أخيه، صديقته وصديقتها. ابنة عمة خالة جارة صاحبة أمها وابن جار عم بنت خالة أبيه.
وتخطئان إذا اعتقدتما أنّكما ستمنعان تدخلات الآخرين بعد الزواج. فشئنا أم أبينا نحن كائنات اجتماعية، نتاج بيئتنا، ونحرص على الحفاظ على روابطنا. وبطبيعتنا البشرية نتعلّم من تجارب غيرنا لذلك نحدّثهم عن مشاكلنا ونستمع لنصائحهم حتّى وإن لم نأخذ بها. لذلك عند الزواج من شريك حياتك، فأنت تستقبل/ين قبيلته كلّها.
تخطئان أيضاً في غضّ الطرف عن تصرفاتٍ أو أفكارٍ في عائلة الشريك ترونها لا تلائمكم، ظناً منكم أنّكما ستنفصلان عن العائلة بعد الزواج. لذلك لا تقلّل/ي من قيمة الجوّ المحيط بالآخر ظنّاً منك أنّك يمكنك تغييره أو عزله عنه بعد الزواج. وفي الوقت نفسه لا تعظّم/ي قيمة ما يزعجك في محيطه. حدّد/ي أولوياتك. ما لا يمكن تقبّله بالنسبة لك وما يمكن التعايش معه.
ما الذي يسعى الإنسان لتحقيقه من خلال الزواج؟ بناء عائلة. لذلك يجب إيلاء طباع قبيلة كل طرف الأهمية اللازمة. فشريكك سينقل حتماً جزءاً ممّا ورثه لأطفالك. أمام الأطفال، مهما حاولنا أن نجتهد، سنجد أنفسنا نكرّر أجزاء من تجاربنا مع أهلنا، من تصرفات أعجبتنا بين أصدقائنا وأطفالهم، نصائح أغدق بها علينا الأقارب عند التهنئة بالمولود الجديد.
أمام حاجتنا للقبيلة، ونفورنا من تدخلاتها في حياتنا الشخصية، يحتاج كلّ زوجين جديدين للكثير من القوّة والوعي. فمن جهة، لا ضرر من الاستفادة من تجارب الآخرين، لكنّ إسقاطات تجاربهم الشخصية عليك قد يكون قاتلاً. فإذا كانت قريبتك قد عانت من خيانة زوجها قد تعمّم وتحاول إقناعك أن كلّ الرجال خونة. وإذا كان أخوك قد عانى من تسلّط حماته ستجدّه يحرّضك على حماتك حتّى قبل قراءة الفاتحة. غربلة النصائح يتطلّب معرفة عميقة بالآخر، وهذه المعرفة لا تتكوّن إلا عبر التخاطب وتبادل الأحاديث المتنوّعة والأفكار والآراء.
لا تحكم/ي عليه/ا من خلال نظرات الآخرين ولا تجاربهم. وحدّد/ي لقبيلتك دور السند وليس السلاح، دور البيئة الأليفة وليس الأدغال، دور العائلة الكبرى لأسرتك وليس دور الأم والأب لأطفالك. الفصل بين القبيلة والبيت ليس انفصالاً عن العائلة، إنّما تحديد لوظائف كلّ جهة.
فالعيش كقبيلة كان وسيلة نجاة الإنسان أمام الحيوانات الضارية، إلى أن تقاتلت القبائل فباتت سبب قتله.